العلامة المجلسي
316
بحار الأنوار
أجبته ، وإن لم أعلم قلت لا أدري ، وكان الصدق أولى بي ، فقال هشام : أخبرني عن الليلة التي قتل فيها علي بن أبي طالب بما استدل الغائب عن المصر الذي قتل فيه علي ؟ وما كانت العلامة فيه للناس ؟ وأخبرني هل كانت لغيره في قتله عبرة . فقال له أبي : إنه لما كانت الليلة التي قتل فيها علي صلوات الله عليه لم يرفع عن وجه الأرض حجر إلا وجد تحته دم عبيط حتى طلع الفجر . وكذلك كانت الليلة التي فقد فيها هارون أخو موسى صلوات الله عليهما . وكذلك كانت الليلة التي قتل فيها يوشع بن نون . وكذلك كانت الليلة التي رفع فيها عيسى بن مريم عليهما السلام . وكذلك الليلة التي قتل فيها الحسين صلوات الله عليه . فتربد وجه هشام وامتقع لونه ، وهم أن يبطش بأبي ، فقال له أبي : يا أمير المؤمنين الواجب على الناس الطاعة لإمامهم والصدق له بالنصيحة ، وإن الذي دعاني إلى ما أجبت به أمير المؤمنين فيما سألني عنه معرفتي بما يجب له من الطاعة فليحسن ظن أمير المؤمنين ، فقال له هشام : أعطني عهد الله وميثاقه ألا ترفع هذا الحديث إلى أحد ما حييت ، فأعطاه أبي من ذلك ما أرضاه ، ثم قال هشام : انصرف إلى أهلك إذا شئت ، فخرج أبي متوجها من الشام نحو الحجاز ، وأبرد هشام بريدا وكتب معه إلى جميع عماله ما بين دمشق إلى يثرب يأمرهم أن لا يأذنوا لأبي في شئ من مدينتهم ولا يبايعوه في أسواقهم ، ولا يأذنوا له في مخالطة أهل الشام حتى ينفذ إلى الحجاز ، فلما انتهى إلى مدينة مدين ومعه حشمه ، وأتاه بعضهم فأخبره أن زادهم قد نفد ، وأنهم قد منعوا من السوق ، وأن باب المدينة أغلق ، فقال أبي : فعلوها أئتوني بوضوء فاتي بماء فتوضأ ثم توكأ على غلام له ثم صعد الجبل حتى إذا صار في ثنية ( 1 ) استقبل القبلة فصلى ركعتين ، ثم قام وأشرف على المدينة ثم نادى بأعلا صوته وقال : " وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا
--> ( 1 ) الثنية : العقبة أو طريقها ، أو الجبل ، أو الطريقة فيه أو إليه " القاموس " .